" تَعَلَّمُوا الْعَرَبِيَّةَ فَإِنَّهَا تُنْبِتُ الْعَقْلَ وَتَزِيدُ فِي الْمُرُوءَةِ "
( منظمة دولية مستقلّة ) اتصل بنا
كلمة الأمين العام الدكتور الطيب البكوش في حفل افتتاح المؤتمر الدولي السادس للغة العربية
|

سمو الأمير
أصحاب المعالي والسعادة والمشايخ
حضرات السيدات والسادة
السلام عليكم،
في هذه الدقائق المعدودات التي أُتيحت لي في هذه الكلمة المختصرة أود أن أُشير إشارات خاطفة إلى قضيتين تهمان مباشرة تنمية اللغة العربية وتطورها، وهما قضيتان خلافيتان منذ مدة طويلة ومازالتا إلى حد ما كذلك.
القضية الأولى تتعلق بعلاقة اللغة العربية بمختلف مستوياتها ولاسيما ما يسمى عادة بالعامية أو الدارجة والثانية ما يتعلق بتعدد اللغات أي علاقة اللغة العربية باللغات الأخرى. فالمسألة الأولى عرفت في أواسط القرن الماضي جدالا بلغ أحيانا كثيرا من الحدة حول قضية التعليم واستعمال العربية الفصحى أو الدارجة. ودعاة الدارجة أو العامية في ذلك الوقت اتخذوا نموذجا ما حدث في أوربا مع اللغة اللاتينية التي تكلست وتجمدت فاستعاضت عنها شعوب المنطقة بدارجاتها التي ارتقت إلى مصاف اللغات الوطنية والثقافية. هذه المقارنة كانت مقارنة مغلوطة ذلك أن اللغة العربية لم تتكلس ولم تمت ولن تموت. هذا الحكم لا فقط من منطلق عاطفي ومن منطلق حب اللغة العربية فحسب وإنما كذلك من منطلق علمي بالتحليل العلمي الموضوعي. فالعلاقة بين اللغة العربية الفصحى ومختلف اللهجات هي في الحقيقة علاقة مستويات متعددة من أبسط العاميات إلى أرقى أشكال الفصحى أناقة وجودة وفصاحة. بين هذا وذلك توجد مستويات عديدة. إن خطأ دعاة العامية هو أنهم تصوروا أن العربية الفصحى يمكن التخلي عنها. وخطأ دعاة الفصحى هو أن موقفهم فيه نوع من تحقير العامية. لا يجب أن نحقر أي مستوى من مستويات اللغة لأنها لغة الطفل، لغة الأم، لغة المهد ولذلك فإنه يجب أن ننظر إلى هذه المستويات جميعا نظرة تكامل وإثراء متبادل. فالمستويات جميعا في العربية ترتقي وتتطور بصفة متوازية وكل مستوى يثري الآخر إثراء لا جدال فيه. ولذلك يجب أن ننظر إليها كلغة ذات عديد المستويات. وهو عنصر ثراء وعنصر حياة وعنصر تنمية وتطور.
القضية الثانية أعقد وهي علاقة اللغة العربية باللغات الأجنبية. هنا أيضا يوجد من يدعو إلى تعليم العلوم باللغة العربية فقط ويوجد من يدعو إلى تعليمها باللغات الأجنبية المتطورة والتي تتكاثر فيها البحوث وخاصة اللغة التي تكاد تصبح عالمية إن لم تصبح كذلك إذ رأيت شخصيا في الجامعات الفرنسية الباحثين في أعلى مستوى ينشرون بحوثهم بالإنجليزية لأنهم يعتبرون رغم الجانب الوطني والإحساس العاطفي أنهم في حاجة إلى أن يُقرؤوا من طرف أكبر عدد ممكن من الباحثين في أي اختصاص من الاختصاصات. لذلك فإن الاهتمام باللغة الأجنبية التي هي متقدمة في مجال البحث العلمي أمر أيضا ضروري.
بماذا ندرس وفي أي مستوى علمي؟  هذه قضية تحتاج إلى نظر ولكن دون أن يكون الموقف موقف تعصب وإنما موقف جدوى وفاعلية وإثراء العربية، هنا تدخل الترجمة وتحتل مكانة هامة. ولابد هنا من طرح الأسئلة: ماذا نترجم؟ كيف نترجم؟ ولمن نترجم؟ هذه أسئلة تطرح في كثير من المواطن ولكن في اعتقادي -ولا أريد أن أتعمق كثيرا لأن المقام ليس مقام تعمق- أننا في حاجة إلى مؤسسات أو مؤسسة شاملة ولها فروع. وأعتقد أن مؤسستكم مجلس اللغة العربية الدولي يمكن أن يكون إطارا لهذا ويمكن أن يكون إطارا يتضمن عديد اللجان المختصة في أدق المعارف والعلوم لكي يكون لنا إستراتيجية تنمية للغة العربية عن طريق الترجمة. ولكن الترجمة وحدها لا تكفي لتنمية لغة تحتاج أيضا إلى أن تُمارس وأن تُطبق في جميع مستويات التدريس والبحث، إذن اللغة تتطور بالاستعمال وبالبحث عن طريق الترجمة وغير الترجمة، بالإبداع. يجب إذن أن يكون لنا باحثون ومختصون في جميع المجالات قادرين على أن يكتبوا وأن يؤلفوا وأن يبحثوا وأن يكونوا قادرين على استعمال اللغة العربية في جميع ذلك واللغة الأجنبية أو اللغات الأجنبية في جميع ذلك أيضا. هذا شرط استعمال العربية وتنميتها وتطويرها أي لا يمكن أن يقوم بذلك إلا المختصون القادرون على التملك ولهم قدرة على استعمال العربية واستعمال اللغة الأجنبية بشيء من التساوي. وهو يتطلب إذن أن نتصور خطة إستراتيجية لتنمية اللغة العربية وتطويرها تطويرا مستمرا. فهذه الأعمال هي أعمال تندرج ضمن التنمية المستدامة، وتنمية اللغة العربية هي جزء من التنمية الشاملة ولذلك لابد أن يندرج ذلك لا في أعمال مُفرقة تعتمد المبادرة الفردية فقط -وهي هامة- لكن أن تندرج ضمن خطة إستراتيجية شاملة. وأعتقد أن ما يوجد اليوم في دبي - سواء أكانت مبادرة الشيخ محمد بن راشد عندما أسس المجلس الذي شجع على الترجمة منذ عدة سنوات أو هذا المجلس المحترم-  يمثل إطارا أعتقد بكل موضوعية أنه من أقدر الأطر على القيام بهذه المهمة التنموية الشاملة.
 
والسلام عليكم.